
البرق البركاني: إحدى أكثر ظواهر الطبيعة رعباً وجمالاً
تعد البراكين الثائرة من أقوى قوى الطبيعة المدمرة وأكثرها إثارة للمهابة؛ إذ تطلق حممًا منصهرة وتنفث سحبًا سوداء ضخمة من الرماد البركاني تغطي السماء. ولكن، في بعض الأحيان، يرافق هذا المشهد الرهيب عرض بصري مذهل يحبس الأنفاس؛ حيث تندلع صواعق برق ساطعة ومتشابكة تتلوى وتتفرع داخل سحابة الرماد المظلمة مباشرة فوق فوهة البركان.
تُعرف هذه الظاهرة علميًا باسم البرق البركاني (Volcanic lightning)، أو العاصفة الرعدية القذرة (Dirty thunderstorm). وهي ليست مجرد صواعق رعدية عادية تصادفت مع ثوران البركان، بل هي ظاهرة فيزيائية مستقلة تتولد كليًا من قلب الانفجار البركاني نفسه. في هذا المقال، سنستعرض بالتفصيل الفيزياء الكهربائية الساكنة التي تفسر حدوث هذه الصواعق، ودور بخار الماء والجليد في تعزيز الشحنات، ونماذج تاريخية وحديثة لهذه الظاهرة، بالإضافة إلى الفوائد العلمية التي يجنيها العلماء من مراقبة هذا العرض المرعب والجميل.
الفيزياء الكهربائية الساكنة: كيف تنشأ الشحنات داخل الرماد؟
البرق البركاني، كأي برق عادي، هو عبارة عن تفريغ كهربائي هائل ومفاجئ يحدث عندما يصبح فرق الجهد الكهربائي بين منطقتين في الغلاف الجوي كبيرًا بما يكفي للتغلب على مقاومة الهواء للعزل. ولكن كيف تتولد هذه الشحنات الضخمة في سحابة رماد بركاني؟
تحدث هذه العملية من خلال ثلاث آليات فيزيائية متكاملة:
1. تأثير الاحتكاك والتلامس (Triboelectric Effect)
عندما ينفجر البركان، يطلق مليارات الجزيئات المجهرية من الصخور المفتتة، والرماد السليسي، والمعادن بسرعات خارقة وضغط هائل. تتصادم هذه الجزيئات وتتلامس وتحتك ببعضها البعض بعنف شديد أثناء اندفاعها للأعلى. هذا الاحتكاك المستمر يؤدي إلى انتقال الإلكترونات بين الجسيمات؛ حيث تفقد جسيمات إلكترونات وتكتسب شحنة موجبة، بينما تكتسب جسيمات أخرى إلكترونات وتتشكل شحنة سالبة، تمامًا كما يحدث عند فرك بالون بقطعة صوف ولكن على نطاق فلكي هائل.
2. التفتت الصخري وعملية الكسر
تؤدي قوة الانفجارات داخل فوهة البركان إلى تمزق وكسر الحمم الصخرية السائلة وتفتتها بعنف إلى قطع مجهرية. تظهر الأبحاث الفسيولوجية والفيزيائية أن كسر المواد الصلبة بهذه القوة يطلق شحنات كهربائية مستقرة على الأسطح المكسورة حديثًا، مما يسهم في زيادة الشحن الكهربائي للعمود البركاني.
3. التوزيع الجغرافي للشحنات
بسبب اختلاف الأحجام والكتل بين جسيمات الرماد، تنفصل الجزيئات المشحونة كهربائيًا داخل السحابة؛ حيث ترتفع الجزيئات الخفيفة والصغيرة المشحونة بشحنات معينة إلى الأعلى بسرعة، بينما تتجمع الجزيئات الثقيلة والأكبر حجمًا المشحونة بشحنات مغايرة في الأسفل بالقرب من الفوهة. هذا الانفصال الميكانيكي يخلق قطبية كهربائية ضخمة (Voltage gradient) تهيئ الظروف لحدوث التفريغ الكهربائي (البرق).
دور الماء والجليد: محرك الصواعق الكبرى
ينقسم البرق البركاني فسيولوجيًا إلى مرحلتين تختلفان في الارتفاع والفيزياء:
- مرحلة الفوهة (Vent Phase): وهي صواعق برق صغيرة، قصيرة، وكثيفة تحدث مباشرة عند فوهة البركان عند بدء الثوران، وتكون مدفوعة بالاحتكاك الجاف وتفتت الصخور.
- مرحلة العمود البركاني (Plume Phase): وهي صواعق برق ضخمة وطويلة تشبه البرق الجوي التقليدي، وتحدث على ارتفاعات عالية (تتجاوز 5 إلى 15 كيلومترًا) داخل سحابة الرماد المتصاعدة.
في مرحلة العمود البركاني، يلعب بخار الماء المنبعث بكثافة من باطن البركان دورًا حاسمًا؛ فعندما ترتفع السحابة إلى طبقات الجو العليا الباردة، يتكثف بخار الماء ويتجمد ليتحول إلى بلورات جليد صغيرة. تتصادم هذه البلورات الجليدية مع جسيمات الرماد الصخري، مما يسرع عملية شحن وفصل الكهرباء الساكنة بطريقة مماثلة تمامًا لما يحدث في السحب الرعدية العادية، مما ينتج عنه صواعق برق بركانية هائلة قادرة على قطع مسافات طويلة في السماء.
مشاهدات تاريخية وحديثة: من فيزوف إلى تونجا
سجل التاريخ البشري ظاهرة البرق البركاني في عدة مناسبات أشهرها:
- ثوران بركان فيزوف (Mount Vesuvius) عام 79 ميلادي: كتب المؤرخ الروماني بليني الصغير في رسائله الشهيرة واصفًا دمار مدينة بومبي: “كانت هناك سحابة سوداء مرعبة تخترقها خطوط ملتوية ومتفرعة من اللهب، تومض كصواعق البرق ولكنها أكبر بكثير”.
- بركان تونجا (Hunga Tonga) عام 2022: شهد هذا الثوران البركاني تحت المائي أشد عاصفة رعدية بركانية سجلتها الأجهزة العلمية في التاريخ الحديث؛ إذ أنتج الانفجار الهائل حوالي 400,000 صاعقة برق في غضون بضع ساعات فقط، وبلغت ذروتها بمعدل مذهل وصل إلى 2600 صاعقة في الدقيقة الواحدة على ارتفاعات شاهقة وصلت إلى ستراتوسفير الأرض.
كيف يستفيد العلماء من البرق البركاني؟
لا تقتصر أهمية البرق البركاني على كونه مشهدًا بصريًا مهيبًا؛ بل يمثل أداة علمية حاسمة لرصد البراكين وحماية الملاحة الجوية:
يمثل الرماد البركاني خطرًا مميتًا لمحركات الطائرات النفاثة؛ إذ يمكن أن يتسبب في توقفها المفاجئ عن العمل. ونظرًا لأن العديد من البراكين تثور في مناطق معزولة أو ليلاً أو تحت غطاء سحابي كثيف يمنع الأقمار الصناعية من رصد انتشار الرماد، يستخدم العلماء أجهزة رصد الموجات الراديوية للبرق.
بما أن الصواعق البركانية تصدر موجات راديوية مميزة يمكن التقاطها من مسافات شاسعة، يستطيع العلماء معرفة بدء ثوران البركان بدقة، وتقدير حجم الرماد المتصاعد واتجاه حركته في نفس لحظة حدوث الانفجار، مما يتيح إصدار تحذيرات فورية للطائرات لتغيير مساراتها بأمان.
خاتمة
يجسد البرق البركاني اتحادًا مذهلاً بين علم الجيولوجيا (البراكين) وعلم الأرصاد الجوية (البرق)، مظهرًا التفاعل المعقد والقوي لعناصر الطبيعة تحت ظروف الضغط والحرارة القصوى. إنها ظاهرة تذكرنا بقوة كوكبنا وحركيته المستمرة، وتثبت لنا أن أشد الكوارث الطبيعية رعبًا ودمارًا قد تنطوي في نفس الوقت على لوحات جمالية خارقة تعكس عظمة وهندسة هذا الكون البديع.